يكشف أمير سلطان في هذا التحقيق عن صراع خفي وممتد بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بشأن المحكمة الجنائية الدولية، صراع حاولت فيه واشنطن مرارًا إضعاف المحكمة، بينما قاومت لندن تلك الضغوط قبل دخول نظام روما الأساسي حيّز التنفيذ وبعده، وفق وثائق بريطانية رُفعت عنها السرية مؤخرًا.
وتنشر ميدل إيست مونيتور هذه الوثائق في توقيت حساس، مع تصاعد الجدل حول التزام بريطانيا بالعدالة الجنائية الدولية، خاصة بعد تقارير عن تهديد مسؤولين بريطانيين بسحب التمويل من المحكمة أو الانسحاب من نظام روما، ردًا على سعي الادعاء العام لاستصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في فلسطين.
ضغوط أميركية وموقف بريطاني متحفظ
سعت الولايات المتحدة في يونيو 2002 إلى تمرير قرار في مجلس الأمن يمنح حصانة لعناصرها المشاركين في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، بحيث لا يخضعون لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية. ونقلت السفارة البريطانية في واشنطن أن المسؤولين الأميركيين رأوا في دعم لندن عاملًا حاسمًا لحشد تأييد كافٍ داخل المجلس.
وصفت وزارة الخارجية البريطانية آنذاك هذا الطلب بأنه قضية سياسية شديدة الحساسية. وأكد كبار المسؤولين، في مراسلات مع ديفيد مانينج مستشار السياسة الخارجية لرئيس الوزراء توني بلير، التزام بريطانيا بدعم المحكمة وفق الموقف الأوروبي المشترك الملزم قانونيًا. وحذّروا من منح حصانة شاملة لقوات حفظ السلام، مستشهدين بسوابق انضباطية سلبية لبعض الوحدات الوطنية.
ودعا مسؤولون بريطانيون واشنطن إلى الاستفادة من المادة 98 من نظام روما، التي تسمح باتفاقات ثنائية تحد من اختصاص المحكمة، غير أن الإدارة الأميركية رفضت هذا الخيار، معتبرة أنه لا يوفر حماية كافية خارج أراضي الدول الموقّعة.
نظام روما ومحاولات العرقلة الدولية
اعتمد نظام روما الأساسي في 17 يوليو 1998، وصوّتت الولايات المتحدة ضده إلى جانب إسرائيل وعدد من الدول الأخرى. ورغم توقيع إدارة بيل كلينتون على المعاهدة في آخر أيامها، سحبت إدارة جورج بوش الابن التوقيع رسميًا في مايو 2002، قبل دخول النظام حيّز التنفيذ في يوليو من العام نفسه.
تكشف الوثائق أيضًا عن مساعٍ أميركية لثني أستراليا عن التصديق على نظام روما. وأفادت المفوضية البريطانية في كانبيرا بتردد رئيس الوزراء جون هاورد بعد ضغوط مباشرة من واشنطن. وحذّر مسؤولون بريطانيون من أن فشل أستراليا في التصديق سيبعث برسالة سلبية ويقوّض مصداقية المحكمة في بداياتها.
تدخّل بلير شخصيًا، فكتب إلى هاورد محذرًا من أن التأجيل سيضر بالمحكمة ويثني دولًا أخرى عن الانضمام، مؤكدًا أن المحكمة لا تتدخل إلا عندما تعجز الأنظمة القضائية الوطنية أو ترفض المحاسبة، وأن الدول الديمقراطية التي تحترم سيادة القانون لا تملك ما تخشاه. وفي يوليو 2002، صدّقت أستراليا على النظام.
تسويات مؤقتة وتناقض مع الحاضر
واصلت واشنطن ضغوطها داخل الأمم المتحدة، ملوّحة باستخدام الفيتو ضد تمديد بعثات حفظ السلام إذا لم تحصل على ضمانات الحصانة. وأبدت لندن قلقها من هذا الابتزاز، معتبرة أن المقترحات الأميركية تهدد بتقويض المحكمة في لحظة تأسيسها، وتضر بمصداقية بريطانيا كعضو مستقل ومبدئي في مجلس الأمن.
حذّر المستشار القانوني للحكومة البريطانية من دعم أي إجراء يتعارض مع الالتزامات الأوروبية أو يقوّض اتفاقيات دولية أخرى، مثل اتفاقيات مناهضة التعذيب والإبادة الجماعية. ودعا السفير البريطاني في واشنطن آنذاك، كريستوفر ماير، إلى موقف صارم، واصفًا السلوك الأميركي بأنه غير قابل للدفاع عنه.
انتهى الخلاف إلى تسوية مؤقتة عام 2002، قضت بمنح حصانة لمدة عام واحد فقط لأفراد الدول غير المنضمة للمحكمة، دون الإقرار باختصاص وطني حصري. ومع فضيحة سجن أبو غريب عام 2004، حاولت الولايات المتحدة تمديد الحصانة، لكن بريطانيا ودولًا أوروبية أخرى عارضت الخطوة، فانسحبت واشنطن لعجزها عن تأمين الأصوات اللازمة.
يعكس هذا السجل التاريخي تناقضًا صارخًا مع الاتهامات الحديثة التي وجّهها المدعي العام للمحكمة كريم خان، حين قال إن الحكومة البريطانية لوّحت بالانسحاب وسحب التمويل في حال المضي قدمًا في مذكرات التوقيف بحق مسؤولين إسرائيليين. ويطرح ذلك تساؤلات عميقة حول التحول في الموقف البريطاني من الدفاع الصارم عن المحكمة إلى التردد أمام الضغوط السياسية المعاصرة.
https://www.middleeastmonitor.com/20260121-documents-reveal-us-uk-longstanding-clash-over-the-international-criminal-court/

